الرأي والتحليل

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: لماذا تجددت الحرب في إثيوبيا؟

في أواخر يناير 2026، تجددت الاشتباكات بين الجيش الفيدرالي الإثيوبي وقوات جبهة تحرير شعب تيغراي، في مؤشر واضح على هشاشة السلام الذي أعقب الحرب الكبرى بين الطرفين خلال الفترة من 2020 إلى 2022. ولم تكن هذه الجولة الأخيرة مجرد تبادل لإطلاق النار، بل تعبيرًا صارخًا عن الأزمة البنيوية التي تعيشها إثيوبيا منذ سنوات؛ صراع على السلطة، وعلى مستقبل الفيدرالية، وعلى هوية الدولة نفسها.
تتمركز المعارك أساسًا في غرب تيغراي ومناطق عفر المتاخمة للشمال، وهي مناطق استراتيجية تحتضن حدودًا متنازعًا عليها، وتُعد خطوط تماس سياسية بين المركز والإقليم. هذه الجغرافيا ليست مجرد رقعة على الخريطة، بل تمثل مركز التوتر الذي يمكن أن يجرّ إثيوبيا إلى دوامة جديدة من العنف المفتوح.
أسباب التصعيد تبدو واضحة؛ أولها فشل تطبيق اتفاقية بريتوريا 2022، التي أنهت الحرب الكبرى بشكل شكلي، لكنها لم تحل القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيطرة على الأراضي، وإعادة بناء الثقة بين المركز وإقليم تيغراي. وثانيها الصراع السياسي العميق حول طبيعة الدولة الإثيوبية؛ فالحكومة الفيدرالية تسعى لفرض سلطة مركزية قوية، بينما يتمسك إقليم تيغراي بحقوقه في الحكم الذاتي والتمثيل الفيدرالي. هذا التناقض السياسي يتحول بسهولة إلى مواجهة مسلحة عندما تضعف أدوات التوافق والحوار.
ولا يمكن فصل هذه الاشتباكات عن السياق الإقليمي الأوسع. فتصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد حول إعادة رسم خريطة القرن الأفريقي، والسعي للوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر، وإصراره على أن إثيوبيا لن تبقى بلا منفذ بحري منذ انفصال إريتريا عام 1993، زادت من حساسية جيرانها، ودفعت العلاقة مع أسمرا إلى مزيد من التوتر. هذا الطموح الجيوسياسي، وإن كان مبررًا من منظور إثيوبي داخلي، يخلق بيئة من عدم الثقة والخوف الإقليمي، ما يزيد من احتمالات تصعيد الصراع، وتحويله من نزاع داخلي إلى أزمة أوسع في القرن الأفريقي.
في المقابل، تشير بعض التحليلات إلى أن التداخلات الإقليمية، بما في ذلك دعم بعض القوى الخارجية لمليشيات مثل “الدعم السريع” في السودان عبر إثيوبيا، قد تُسهم في خلق حالة من الفوضى المستمرة، وتؤثر على حسابات إثيوبيا الخارجية. ومع تجدد الصراع في تيغراي، فإن البيئة الإقليمية المشتعلة تضاعف المخاطر، وتزيد من تعقيد المشهد السياسي.
أما أثر هذه الاشتباكات على الدولة الإثيوبية، فهو بالغ الخطورة؛ إذ أدت الجولة الأخيرة من العنف إلى تعليق الرحلات الجوية في إقليم تيغراي، وتضرر الخدمات الأساسية، فيما يعيش المدنيون تحت تهديد النزوح والقتل والجوع. كما أن استمرار النزاع يضعف الدولة في مواجهة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل من الصعب إعادة بناء أي ثقة بين المركز والأقاليم، وهو ما يهدد وحدة إثيوبيا نفسها.
إنني من منصتي أنظر… حيث أرى… أن الصراع في تيغراي ليس مجرد اشتباكات عسكرية، بل اختبار حقيقي لبنية الدولة الإثيوبية وهويتها الفيدرالية. وإذا لم تُستعد أدوات السياسة والحوار، واستمر الاعتماد على القوة أسلوبًا لحل الخلافات، فإن إثيوبيا ستظل غارقة في دوامة من النزاعات الداخلية، ذات انعكاسات عميقة على الاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي، وربما أكثر من ذلك، على جغرافيا السلطة والسياسة في المنطقة بأكملها.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى